المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عادات وسلوم (السامر ) تحت المجهر


محمد بن حوقان
09-19-03, 11:04 AM
قراءة في قصيدة (عادات وسلوم) للسامر

في كل مرة يفاجئنا الشاعر الأمير عبد العزيز بن سعود بن محمد آل سعود (السامر) بدرة شعرية.. تستفز مكامن قرائحنا.. ولكن هذه المرة فاجأنا برائعة كتبت أبياتها بماء الذهب وعبق التاريخ.. برائعة شعرية استوقفتني كثيرا قبل أن أشرع في محاولة قراءتها والدخول إلى معالمها الأدبية والفكرية والنفسية والاجتماعية الراقية.

استوقفني في هذه القصيدة حبكتها الرائعة.. ورصانتها القوية.. وجزالتها الراقية..

استوقفني عذوبة أبياتها.. وروعة منهجها.. وسلاسة أسلوبها..

وقد كان لهذه الرائعة (عادات وسلوم) نظرة ثاقبة.. وحكمة أصيلة..

ولنبدأ أولا بالأبعاد التي رسمها الشاعر الأمير عبد العزيز بن سعود في عنوان القصيدة الموسومة بـ (عادات وسلوم(:

استطاع شاعرنا من خلال العنوان أن يجدد في دواخلنا أصالة العادات الأصيلة والمبادئ الإسلامية السمحة.. وقد آثر شاعرنا على أن تكون كلمتي العنوان نكرتين ليحتوي جميع العادات والمبادئ الأصيلة تحت هاتين الكلمتين الأصيلتين.. وفي أول بيت يفتتح به شاعرنا رائعته يقول:

من يطلب العليا فلا يرخص السوم

المجد ما هو قسم نفس بخيلة

يقول النقاد إن أحكم بيت ما بدأه صاحبه بـ (من) و(من) هنا أداء شرط لا بد أن يتسنى لها جواب شرط يحقق المعادلة اللغوية والمنطقية.. فالجد ليس من السهولة بمكان الوصول له.. لذا فمن شد رحله لطلب المعالي فلا بد أن يدفع ثمن ذلك من وقت وتضحية وحب للآخرين.. وقد قال الشاعر في ذلك:

وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

فالطريق المفروش بالرياحين لا يقود إلى المجد.. كما قال (لافونتين)..

وقد زرع شاعرنا أسلوب التضاد في الشطر الثاني بين (المجد) و (البخل) لتتضح الصورة وتنجلي في ثوبها المطرز بالإبداع فبضدها تتبين الأشياء..

فالمجد هو نقيض منطقي للبخل.. كما يتناسب تناسبا عكسيا مع بعضهما..

والكرم صورة من صور المجد يقول تعالى في محكم تنزيله: (يا أيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم)..

ويقول صلى الله عليه وسلم في ذلك: (السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس)..

ولعل الشاعر الذي ناقش ذلك في قوله:

يجود بالنفس إن ضن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود

كان محقا فيما ذهب إليه..

كما أن البخل في مقياس العرف مذموم قلبا وقالبا.. والله سبحانه وتعالى يقول عنه:

(وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى، وما يغني عنه ماله إذا تردى)..

ويقول صلى الله عليه وسلم عن البخيل:

(لا يدخل الجنة خب ولا منان بخيل)..

ويقول الحسن بن علي رضي الله عنه:

(من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه)..

ويتفق شاعر العرضة الجنوبية الذي مع هذه الرائعة عندما قال:

المدح ما فاده ذليل ولا جابه

ولا شراه اللي تكاسل ويتمنى

للناس عادات مع الناس وسلوم

يرقى بها الرجال رأس الطويلة

على جال المكارم تنبت العادات والمبادئ الأصيلة حتى تصبح سلما يرتقي به كل من رام صعود جبال المجد والإباء والأنفة.. ومن هذا البيت كان عنوان هذه الرائعة.. ولا ألوم شاعرنا في هذا البيت.. فالعلاقة التي تنشأ بين الناس تكون من منطلق توافق العادات والتقاليد والسلوم.. والتي تعتبر مقياسا لمدى استمرارية هذه العلاقة أو فسادها.. وشاعرنا هنا أخذ الجانب المشرق من تلك العادات على وجه التغليب.. وهذا بيت القصيد..

من قدم الحسنى والاحسان معلوم

ينال من مولاه كسب النفيلة

وهنا يعود شاعرنا إلى (من) الشرطية ليؤطر حكمة سال منها الجزاء مغفرة من رب العزة والجلال..

والملاحظ هنا ان هذه الرائعة الشعرية لم تكن إلا ردة فعل طبيعية لتمسك الشاعر بالعادات والمبادئ الأصيلة فكانت الأبيات الأولى مرآة لحياة (السامر) بشكل عام..

ومن قدم الحسنى على اللوم والشوم

عدله سبق ـ عن ضيعة الرأي ـ ميله

دعوة نبيلة للمبادرة إلى الإحسان والذي قرنه بالعدل.. مقتديا بقوله تعالى:

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان)..

ومن مات مسلما قالوا الناس مرحوم

شفيعه محمد وربي كفيله

يقول أحد الحكماء:

إذا ذكر الميت.. منهم من يدعو له.. ومنهم من يدعو عليه.. ومنهم لا هذه ولا تلك.. فاختر أيهم تكون..

ولو سؤل أحدنا لقال أريد ممن يدعو له.. وهنا ما أشار له شاعرنا بكل بساطة وموضوعية ذاهبا بتلميحاته إلى الحث على العمل الصالح.. ولو يرحم الظالم من الناس مظلوم

الوادي الممحل جرى فيه سيله

يقول صلى الله عليه وسلم: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)..

وهنا ربط شاعرنا كذلك رحمة من في الأرض برحمة من في السماء.. وهذه دعوة خالصة للتراحم وعدم الظلم..

ما نال من شاور على حقه رخوم

إلا مثل ما نال من هد فيله

وينتقل بعد ذلك شاعرنا إلى باقة من المفاهيم التي اكتسبتها الأجيال بالتجربة.. ويوظف هنا أسلوب الاستثناء والذي أعطى البيت جمالا والعبارة بعدا أدبيا رائعا.. كما أن حرص شاعرنا على توظيف الرمز التاريخي في الشطر الثاني أعطى البيت بعدا تاريخيا جميلا..

فمن استشار ضعاف العقول والشجاعة فانه لا ينال إلا مثل ما نال إبرهة الأشرم حينما استشار قساوسته والذين أرشدوه إلى طريق الهلاك.. حينما رمته الطير الأبابيل بحجارة من سجيل وفي هذا السياق يقول شاعر العرضة محمد بن حوقان المالكي.

(إبرهه لو كان ما هو مخالف للشريعة

مارمته الطير ما بين مكة واعرفه)

المجد يبغى له شغاميم وقروم

يوفون بحقوق الزمان الثقيلة

يقول أناتول فرانس:

(المجد كالحسناء لا يمنح نفسه إلا لخاطب)..

ولكنه ليس أي خاطب بل لا بد أن تتوافر فيه الشجاعة والإقدام والجود والالتزام الحقيقي بتعاليم الدين حتى يستطيع الإيفاء بحقوق الزمن الثقيلة على المتواني..

بادت حضارة قيصر الفرس والروم

ولا بكتها عين خلق كحيلة

تمر الحضارات مر السحاب على الأمم.. فمنها ما يعل الأرض بالخير والبركة.. ومنها ما يورثها النكبات والمصائب.. ومنها ما يمر وكأنه لم يمر.. هكذا الحضارات..

وهنا استطاع شاعرنا أن ينتقل بنا إلى بهو التاريخ برمز تاريخي لا يجهله الجميع.. ألا وهو حضارة الفرس والروم.. وهاتاين الحضارتاين كانتا تشاركهما حضارة ثالثة وهي الحضارة الإسلامية.. ولكن هاتين الحضارتين نستا الله فنساهما.. مقارنة بالحضارة الإسلامية التي قامت على التوحيد..

بالمنتحي ما ينفع العذل واللوم

إطلب له الله، واتركه في سبيله

لو حاولت أن تقف في وجه صخرة منتحية من أعلى الجبل وقد ساقها السيل.. فإنك لن تستطيع إيقافها.. فشدة الانحدار.. وقوة اندفاع السيل.. وقساوة الصخرة.. جميعها تقف عائقا دون إيقافها.. ويقول في تصوير ذلك الشاعر امرؤ القيس:

(كجلمود صخر هده السيل من على)..

كذلك المنتحي لرأي ما أو قناعة ما فمن الصعب عذله أو لومه.. وهنا وصل بنا شاعرنا إلى حل مشكلة ملموسة في حياتنا اليومية استطاع أن يقدم لها حلا مقنعا يخرجنا من دائرة التقاعس عن معالجة المشاكل وعدم التطفل فيما لا يعنينا.. ويدعونا إلى اللجوء إلى الله بالدعاء لهذا المبتلى ـ فلا يرد القدر إلا الدعاء ـ ..

لا بد ما يذكرك يوما بعد يوم

ويحتاج لك حاجة مصر فيض نيله

في نشوة العناد لا يتقبل المعاند أي رأي من غيره.. ولكنه فيما بعد يعود إلى رشده ويتذكر من نصحه في صورته الخيرة الصالحة.. ويحتاج لذلك النصر ليروي حيرته كما تحتاج مصر لفيض نيله..

العز من بين المخاليق مقسوم

ويفوز به من طيب رأسه دليله

أكد شاعرنا في هذه الرائعة على الإشارة وبوضوح إلى المبادئ الأصيلة.. فأشار إلى المجد والجود والإحسان والعدل والتمسك والرحمة وفي هذا البيت يتناول العز بمفهومه الشامل من أنفة وإباء.. ولكن الفوز به مقتصر على من كان طيبه أصل فيه..

يقول المتنبي:

(وكل امرئ يولي الجميل محبب وكل مكان ينبت العز طيب

كم واحد وده بمجد مع القوم

وعيت صواديف الدهر تستوي له

كثيرون هم الذين يبنون الأماني قصورا من أحلام.. ولكن قليلون هم الذين يصلون إليها.. وفي هذا البيت دعوة لمواصلة الطلب والجد إلى المعالي.. فما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا..

كم واحد يحيا من الوقت ملطوم

لطم يشاف ولطم كيد غليله

وكم واحد من نعمة العقل محروم

وما له على ما قدر الله حيله

وكم واحد يلقي به الكبر والزوم

مجد على رأسه يعود فشيله

وكم واحد يمشي مع الناس منجوم

وهو من رجال الحسب والفضيله

ما دامت الدنيا لحد دايم الدوم

تجذي عن الغايات خيل الوسيله

اطلال دار فوقها يعلي البوم

الله من يوم زهتبه وليله

هاتان من الحكم هطلت من سحاب (السامر) بلل بها جفاف المفردة الشعبية في صياهد الوقت العصي.. استطاع من خلالها الإبحار في معالم المعاناة الحقيقية للإنسان.. ومعالم غرور الإنسان وتجبره..

نظرة حكيمة تعالج تلك المفارقات بشكل غير مباشر.. ودعوة أصيلة للتمسك بالقيم الإسلامية والابتعاد عن ما يشوهها.. كما تبين كلمة (تجذي) دقة شاعرنا على استخدام الألفاظ بعناية وموضوعية وسعة ثقافته اللغوية.. فهذه الكلمة لا تستخدم إلا لوصف كبوة الجواد..

وظرف على ما فيه بالختم مختوم

الله من عين وعين تخيله

متعلق بين السماوات ونجوم

سبع الاراضي كلها ما تشيله

ما يشرب إلا من جبا بير مسموم

تشوف ناره فوق راس الفتيله

يدري بها اللي عن سما الديد مفطوم

ويجهل به اللي عن للعرف خيله

ما هو بضرب من ضلالات ووهوم

واف على ما قدر الله كيله .

والهقوه اللي ما لها جنب وعزوم

تطيح دونه حيلة مستحيله

وحرص تحرص به يفكك من الحوم

حولك من اللي يحسب البعد عيله

أضاف شاعرنا هنا عاملا جديدا على شعر الحكمة بشكل عام وشعر السامر بشكل خاص.. فمن المعتاد أن تكون القصيدة لدى الشاعر الشعبي بوجه عام تتناول موضوعا ويغلب عليها جانب الملل عادة خصوصا إن كانت طويلة.. ولكن السامر هنا استطاع أن يجمع جانب الحكمة والمفردة الشاعرية البسيطة والأسلوب السلس والجزالة بالإضافة إلى عامل التشويق المقنن الذي يفتقده شعرنا الشعبي في الوقت الراهن.. ففي الأبيات السابقة سطر لنا شاعرنا مجموعة من الأبيات فاجأنا بها ليستحثنا على مواصلة البحث في ردهات الإبداع عن جوهرة ثمينة لها وقعها الديني والأدبي والاجتماعي كما أعتقد من خلال قراءتي المستفيضة لأبيات اللغز التي كانت بمثابة الطعم الراقي للوصول إلى الجوهرة..

وقد استوقفني في هذه الأبيات مفردات كثيرة كان لها وقعها اللغوي ومنها مفردة (جبا) التي تعني حوض.. ولكنها هنا اقترنت بكلمة بئر فأخذت صبغة الجب التي ذكرت في القرآن الكريم مرتين في قوله تعالى:

(قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابات الجب).. (10.. سورة يوسف)..

وقوله تعالى:

(فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب).. (15.. سورة يوسف).. ومن هنا يتضح مدى تأثر شاعرنا بألفاظ القرآن وحرصه على توظيفها بشكل موضوعي ومنطقي..

لا والذي تسجد له الخلق وتصوم

ولرضاه بيته والمقام تعني له

إن الوفا له بالعرب حد ورسوم

عند الذي يظفر بكسب الجميله

وروض ينوج بريح شيح وقيصوم

له نظرة تشف النفوس العليله

أكثر عيون الخلق ما تقبل النوم

يشكون هم دقاقها والجليله

وفيما أعتقد أن هذه الأبيات مفاتيح لبوابة اللغز للوصول إلى الجوهرة.. فالوفاء والصوم والسجود والمقام جميعها دلالات للوصول إليه.. وآمل ممن يملك القدرة على الوصول إلى معالم النص ودرره أن يشركنا معه في قراءة هذا النص الرائع المتميز..

رؤية محمد بن حمدان المالكي

كاتب وصحفي سعودي

فواز بن حوقان
09-22-03, 05:55 AM
اشكرك أخ محمد على اضافة الموضوع القيم عن هذه القراءة لقصيدة السامر
واتمنى منك المزيد والمزيد..
اشكرك وتقبل خالص التحيه

محمد السوطاني
09-24-03, 09:12 PM
قراءة ...
وأية قراءة ...
لنص ٍ جميل ٍ ومبدع ...
لشاعر ٍ يعد من أبرز المبدعين ..
يذكرني شعره بجمال الصحراء ،،، ورجولة العربي الشهم النبيل .
كل كلمة ،،، وكل لفظ بقدر مايحمل من إبداع يحمل كيان الرجل العربي المسلم ...
السامر من خيرة البقية الباقية من الشعر الجميل العذب الذي نرتشف منه أمانينا وذكرياتنا وعروبتنا المجيدة وإسلامنا الذي نعتز به ..
أخذت هذه القصيدة الحيز الكبير من اهتمامات الناس ،، وللناس الحق أن تهوى وتجعل لقصائد السامر المجال الواسع في التذوق الجمالي ، وقراءة أمجادنا وعروبتنا من خلال قصائدة ، لكي نتنفس بريق الأمل بين ركام استغرابنا واستشراقنا ، فالبوصلة في قصائد السامر تشير دوما ً إلى المجد والشموخ مع الإبداع والأصالة ..

قراءة أجاد / محمد المالكي في استشفاف الكثير من مكامن الجمال في القصيدة والتي لن ينضب جمالها وعذوبة مائها بين ركام ٍ من صحراء الشتات لدى أغلبية من أدعياء الشعر ..

شكرا ً للقراءة وشكرا ً للقصيدة وشكرا ً للشاعر ( السامر ) .

أخوك / محمد عبد الله السوطاني .