الربان
04-08-04, 07:30 PM
الحياة لا تمشي كما نشتهي
الحياة لاتمشي كما نشتهي…هكذا تعلمت من أبي .. وهكذا كان يردد على مسمعي .. رحمك الله ياغالي .. اختطفتك المنية وتركتنا نهب الصراع والألم ..
تذكرت اول مرة قال لي والدي فيها تلك الكلمات ..كنت عائدة من المدرسة .. أرتدي الثوب الأزرق وبيدي حقيبة سوداء .. أما شعري فكنت ألقيه ضفائرسوداء تحليها شريطة بيضاء على صدري ..كان سني آنذاك ثماني سنوات .. دخلت المنزل كئيبة ..قبّلت يد والدي ووالدتي .. وعدت إلى الغرفة .. والقيت جسدي على السرير .. وبكيت .. لا أعلم لماذا انتابني الضيق تلك اللحظات .. ثم سمعت صرير الباب وهو يفتح .. دخل والدي ..قبّل جبيني .. وأجلسني في حضنه .. وقال ((حبيبتي..باتسي..ماذا حل بك..؟)).
رفعت عيني . نظرت بعينيه الزرقاوتين .. وبكيت وأنا أردد : لاشيء .. لاشيء .. ياأبي !!
ضمني لصدره قائلاً : هل تعودتِ أن تخفي علي أي شيء ؟!
هززت رأسي بالنفي .. ومددت يدي إلى الحقيبة .. أخرجت منها شهادتي .. كان ترتيبي التاسعة.!!وقد احتلت إحدى صديقاتي مرتبتي " المرتبة الثالثة " كنت دائمًا أحرص عليها..ولا أدري ماذا حلَّ بي هذا الشهر .. ربت أبي بيده الحانية على ظهري .. وقال : الحياة لا تمشي كما نشتهي يا((باتسي)) !! اجتهدي وستحصلين على ما تريدين.. لاتيأسي!!
واستيقظت فجأة من ذكرياتي على صوت الطبيب وهو يقول : لاتجزعي..مايكتبه الله ليس لنا القدرة على رفضه .. أرجو أن تتحسن صحتها .. حرارتها واحد وأربعون درجة .. أتمنى لها الشفاء .. حافظي على إعطائها الدواء بانتظام .. أغمضت عيني موافقة على قوله ، قائلة ((حاضر يادكتور!!!
وعدت..جلست بجانب ابنتي تحسست جبهتها.كانت حرارتها مرتفعة جدًّا .. تساقطت دموعي على وجهها .. وأحسست أن دموعي تغلي حتى تكاد تجف من شدة الحرارة .
الحياة لاتمشي كما نشتهي…أجل .. هذه الكلمات التي أسمعها وأرددها دومًا .. حتى لابنتي الحبيبة .
ذات مرة كنت مدعوة إلى حفلة لدى إحدى الصديقات .. وعند الغروب كنت جاهزة تمامًا .. قالت لي ابنتي ((ذكرى)):هل أذهب معك يا أمي ؟!!
قلت لها..وأنا أقبل وجنتها ..كلا ياذكرى .. أعذريني هذه المرة .. ضحكت لي وقالت:
صدقت يا أمي حين قلت لي : الحياة لا تمشي كما نشتهي !!!!
أمسكتُ خدها وقلت (( اسرعي ، أيتها الشقية بارتداء ملابسك وهيا معي))..كانت كلمة ظريفة منها جعلتني أدعوها للذهاب معي .. وبينما نحن في الحفلة نستمع إلى الموسيقى ونتلهى مع الصديقات ..إذا بي أرى ذكرى مع إحدى صديقاتها تقترب مني وتقول ((أخطأت نظريتك ياماما .. إن الحياة تمشي كما نشتهي)).. وابتعدت تقفز ضاحكة مع ريما صديقتها..وضحكت لسعادتها كثيرًا .. كانت ابنتي مرحة جدا .. وكنت ولا أزال أحبها جدًّا !!!
هي أنسي في كل حياتي .. هي حياتي التي أعيشها .. بدونها أنا لاشيء ..عندما تذهب في رحلة مع مدرستها أحس بقلق وفراغ ووحدة قاتلة .. إلى أن اراها .. فيطمئن قلبي .. وأحس ان الحياة قد عادت لي من جديد !!
حبيبتي .. حبيبتي ذكرى هل تسمعينني .. في أي عالم أنت الان هل تستعيدين الآن معي كل هذه الذكريات ؟؟.أمسكت يدها وقبلتها .. وبقيت تلك الليالي وما خلفها وما سبقتها من الليالي لا أعرف للنوم طعمًا ولا للطعام مذاقًا ..ولا للحياة لونًا..كنت أسهر على راحتها .. على مراقبة ما يطرأ على صحتها من جديد سواء إلى أسوأ أو أحسن .
لا أجد معي الآن سوى هذا السرير .. هذه الشراشف البيضاء .. الجدران البيضاء .. الوسائد البيضاء ..كل شيء أبيض… أبيض.؟.ماذا أجد معي .. من يسليني سوى هذه الذكريات..؟
مر علي شهر على هذه الحال ..وفي اليوم الخامس من الشهر الثاني كانت والحمد لله قد أصبحت أفضل من السابق .. وسمح لها الطبيب بالخروج من المستشفى … وفي اليوم الذي خرجت فيه ويدي بيد ذكرى .. أدارت لي وجهها وقالت : أي أخطأت نظريتك .. إن الحياة تمشي كما نشتهي ..كنت أتمنى أن أخرج معك .. من هذا السجن الأبيض .. وحققت لي الحياة ما أشتهي .. وضحكت مع ابنتي ضحكة تحمل الكثيرجدًّا من المرارة .. وكأنني أؤيد رأيها رغم عدم اقتناعي به!!
كنت أريد أن أسعدها ..ان اجعلها اسعد إنسانة في الدنيا..اريد منها ان لاتحس بأنه لم يبق لها في الحياة سوى ثلاثة شهور بالتمام..لم أبقِ بها شبرا الا وذهبت معها اليه ..لم تبق زميلة لها الا وزارتها..ولم ابق شيئا تشتهيه الا واشتريته لها ..كانت سعيدة في منتهى السعادة..وكنت اسعد لاجلها .. ولاجل سعادتها .. دخلت عليها مرة في غرفتها ووجدتها تكتب في دفتر مذكراتها وكعادتها وجدت في دخولي إحراجا لها فخرجت!!
وفي المساء .. ذهبت لتحضير حفلة زفاف إحدى صديقاتها .. وعادت.. كنت الاحظ انها قلقة وانها فرحة ايضا .وفي الصباح صارحتني بكل شيئ ..وبعد أسبوع تقدم لخطبتها اخو العروس .. لم أفرح لذلك لكنني فوجئت ..ماذا أفعل !! إذا قبلت فذلك خداع له .. وإذا رفضت فتلك صدمة لها .. ماذا أفعل ياربي ؟ قضيت ليلتي أفكر بذلك ..ماذا أفعل ؟. أجل سأصارحه بكل ذلك وسأقول له انه لم يبق لها سوى شهرين فقط من عمرها .. وهو سيتصرف .. سيقرر ..
كان في غاية النبل والشهامة .. خطبها .وفي اليوم الرابع طلب زواجها .. وكان له ذلك .. حاول أن يسعدها بكل ما ملكت يداه من قدرة .. وبكل شيء ضحى في سبيلها ..جعلها احسن انسانه في الوجود .. وبينما نحن في قمة السعادة .. يعود ليجدها.. يجدها ملقاة بجانبي على السرير .. يجانب إنسانة ضحت في سبيلها الشيء الكثير .. بجانب اِمرأة كانت تبكي بكل دموع الدنيا .. بكل دموع الأعين الحزينة .. وبكى هو .. بكى كثيرًا لأنه يعلم أنها نهايتها .. تمر الأيام مع محاولات يائسة صادرة منه ومني لنسيانها … ولا أجد لي سلوى سوى الدخول إلى غرفتها .. النظر في صورها .. تفتيش حاجياتها .. قراءة مذكراتها .. مناداة اسمها .. مناجاة خيالها ..
ذكرى..ذكرى..أين أنت الآن !!! يا للبؤس ..توقفت فجأة عند بعض سطور في دفتر خاص لها .. تعلو أسطر حمراء منقوشة بكلمة (( إليك يا أمي )) .. وبدأت أقرأ :
(( كم أنت عظيمة .. لقد علمت أن نهايتي بعد ثلاثة أشهر .. وعرفت أنها قريبة جدًّا .. لكنك كنت أعظم من كل شيء .. فجعلتني أشعر بالسعادة .. حتى وأنا أتأرجح بين الحياة والموت)) .. فاذكري ابنتك يا حبيبة ..
اغتسلت الحروف بدموعي…بدموع باتسي الحزينة .. وأنا لازلت أصر وأردد (( الحياة لاتمشي كما نشتهي يا ذكرى )) !!
مجلّة اليمامة .. العدد ( 365 ) في 15/8/1395هـ
ابتسام الهاشمي
الحياة لاتمشي كما نشتهي…هكذا تعلمت من أبي .. وهكذا كان يردد على مسمعي .. رحمك الله ياغالي .. اختطفتك المنية وتركتنا نهب الصراع والألم ..
تذكرت اول مرة قال لي والدي فيها تلك الكلمات ..كنت عائدة من المدرسة .. أرتدي الثوب الأزرق وبيدي حقيبة سوداء .. أما شعري فكنت ألقيه ضفائرسوداء تحليها شريطة بيضاء على صدري ..كان سني آنذاك ثماني سنوات .. دخلت المنزل كئيبة ..قبّلت يد والدي ووالدتي .. وعدت إلى الغرفة .. والقيت جسدي على السرير .. وبكيت .. لا أعلم لماذا انتابني الضيق تلك اللحظات .. ثم سمعت صرير الباب وهو يفتح .. دخل والدي ..قبّل جبيني .. وأجلسني في حضنه .. وقال ((حبيبتي..باتسي..ماذا حل بك..؟)).
رفعت عيني . نظرت بعينيه الزرقاوتين .. وبكيت وأنا أردد : لاشيء .. لاشيء .. ياأبي !!
ضمني لصدره قائلاً : هل تعودتِ أن تخفي علي أي شيء ؟!
هززت رأسي بالنفي .. ومددت يدي إلى الحقيبة .. أخرجت منها شهادتي .. كان ترتيبي التاسعة.!!وقد احتلت إحدى صديقاتي مرتبتي " المرتبة الثالثة " كنت دائمًا أحرص عليها..ولا أدري ماذا حلَّ بي هذا الشهر .. ربت أبي بيده الحانية على ظهري .. وقال : الحياة لا تمشي كما نشتهي يا((باتسي)) !! اجتهدي وستحصلين على ما تريدين.. لاتيأسي!!
واستيقظت فجأة من ذكرياتي على صوت الطبيب وهو يقول : لاتجزعي..مايكتبه الله ليس لنا القدرة على رفضه .. أرجو أن تتحسن صحتها .. حرارتها واحد وأربعون درجة .. أتمنى لها الشفاء .. حافظي على إعطائها الدواء بانتظام .. أغمضت عيني موافقة على قوله ، قائلة ((حاضر يادكتور!!!
وعدت..جلست بجانب ابنتي تحسست جبهتها.كانت حرارتها مرتفعة جدًّا .. تساقطت دموعي على وجهها .. وأحسست أن دموعي تغلي حتى تكاد تجف من شدة الحرارة .
الحياة لاتمشي كما نشتهي…أجل .. هذه الكلمات التي أسمعها وأرددها دومًا .. حتى لابنتي الحبيبة .
ذات مرة كنت مدعوة إلى حفلة لدى إحدى الصديقات .. وعند الغروب كنت جاهزة تمامًا .. قالت لي ابنتي ((ذكرى)):هل أذهب معك يا أمي ؟!!
قلت لها..وأنا أقبل وجنتها ..كلا ياذكرى .. أعذريني هذه المرة .. ضحكت لي وقالت:
صدقت يا أمي حين قلت لي : الحياة لا تمشي كما نشتهي !!!!
أمسكتُ خدها وقلت (( اسرعي ، أيتها الشقية بارتداء ملابسك وهيا معي))..كانت كلمة ظريفة منها جعلتني أدعوها للذهاب معي .. وبينما نحن في الحفلة نستمع إلى الموسيقى ونتلهى مع الصديقات ..إذا بي أرى ذكرى مع إحدى صديقاتها تقترب مني وتقول ((أخطأت نظريتك ياماما .. إن الحياة تمشي كما نشتهي)).. وابتعدت تقفز ضاحكة مع ريما صديقتها..وضحكت لسعادتها كثيرًا .. كانت ابنتي مرحة جدا .. وكنت ولا أزال أحبها جدًّا !!!
هي أنسي في كل حياتي .. هي حياتي التي أعيشها .. بدونها أنا لاشيء ..عندما تذهب في رحلة مع مدرستها أحس بقلق وفراغ ووحدة قاتلة .. إلى أن اراها .. فيطمئن قلبي .. وأحس ان الحياة قد عادت لي من جديد !!
حبيبتي .. حبيبتي ذكرى هل تسمعينني .. في أي عالم أنت الان هل تستعيدين الآن معي كل هذه الذكريات ؟؟.أمسكت يدها وقبلتها .. وبقيت تلك الليالي وما خلفها وما سبقتها من الليالي لا أعرف للنوم طعمًا ولا للطعام مذاقًا ..ولا للحياة لونًا..كنت أسهر على راحتها .. على مراقبة ما يطرأ على صحتها من جديد سواء إلى أسوأ أو أحسن .
لا أجد معي الآن سوى هذا السرير .. هذه الشراشف البيضاء .. الجدران البيضاء .. الوسائد البيضاء ..كل شيء أبيض… أبيض.؟.ماذا أجد معي .. من يسليني سوى هذه الذكريات..؟
مر علي شهر على هذه الحال ..وفي اليوم الخامس من الشهر الثاني كانت والحمد لله قد أصبحت أفضل من السابق .. وسمح لها الطبيب بالخروج من المستشفى … وفي اليوم الذي خرجت فيه ويدي بيد ذكرى .. أدارت لي وجهها وقالت : أي أخطأت نظريتك .. إن الحياة تمشي كما نشتهي ..كنت أتمنى أن أخرج معك .. من هذا السجن الأبيض .. وحققت لي الحياة ما أشتهي .. وضحكت مع ابنتي ضحكة تحمل الكثيرجدًّا من المرارة .. وكأنني أؤيد رأيها رغم عدم اقتناعي به!!
كنت أريد أن أسعدها ..ان اجعلها اسعد إنسانة في الدنيا..اريد منها ان لاتحس بأنه لم يبق لها في الحياة سوى ثلاثة شهور بالتمام..لم أبقِ بها شبرا الا وذهبت معها اليه ..لم تبق زميلة لها الا وزارتها..ولم ابق شيئا تشتهيه الا واشتريته لها ..كانت سعيدة في منتهى السعادة..وكنت اسعد لاجلها .. ولاجل سعادتها .. دخلت عليها مرة في غرفتها ووجدتها تكتب في دفتر مذكراتها وكعادتها وجدت في دخولي إحراجا لها فخرجت!!
وفي المساء .. ذهبت لتحضير حفلة زفاف إحدى صديقاتها .. وعادت.. كنت الاحظ انها قلقة وانها فرحة ايضا .وفي الصباح صارحتني بكل شيئ ..وبعد أسبوع تقدم لخطبتها اخو العروس .. لم أفرح لذلك لكنني فوجئت ..ماذا أفعل !! إذا قبلت فذلك خداع له .. وإذا رفضت فتلك صدمة لها .. ماذا أفعل ياربي ؟ قضيت ليلتي أفكر بذلك ..ماذا أفعل ؟. أجل سأصارحه بكل ذلك وسأقول له انه لم يبق لها سوى شهرين فقط من عمرها .. وهو سيتصرف .. سيقرر ..
كان في غاية النبل والشهامة .. خطبها .وفي اليوم الرابع طلب زواجها .. وكان له ذلك .. حاول أن يسعدها بكل ما ملكت يداه من قدرة .. وبكل شيء ضحى في سبيلها ..جعلها احسن انسانه في الوجود .. وبينما نحن في قمة السعادة .. يعود ليجدها.. يجدها ملقاة بجانبي على السرير .. يجانب إنسانة ضحت في سبيلها الشيء الكثير .. بجانب اِمرأة كانت تبكي بكل دموع الدنيا .. بكل دموع الأعين الحزينة .. وبكى هو .. بكى كثيرًا لأنه يعلم أنها نهايتها .. تمر الأيام مع محاولات يائسة صادرة منه ومني لنسيانها … ولا أجد لي سلوى سوى الدخول إلى غرفتها .. النظر في صورها .. تفتيش حاجياتها .. قراءة مذكراتها .. مناداة اسمها .. مناجاة خيالها ..
ذكرى..ذكرى..أين أنت الآن !!! يا للبؤس ..توقفت فجأة عند بعض سطور في دفتر خاص لها .. تعلو أسطر حمراء منقوشة بكلمة (( إليك يا أمي )) .. وبدأت أقرأ :
(( كم أنت عظيمة .. لقد علمت أن نهايتي بعد ثلاثة أشهر .. وعرفت أنها قريبة جدًّا .. لكنك كنت أعظم من كل شيء .. فجعلتني أشعر بالسعادة .. حتى وأنا أتأرجح بين الحياة والموت)) .. فاذكري ابنتك يا حبيبة ..
اغتسلت الحروف بدموعي…بدموع باتسي الحزينة .. وأنا لازلت أصر وأردد (( الحياة لاتمشي كما نشتهي يا ذكرى )) !!
مجلّة اليمامة .. العدد ( 365 ) في 15/8/1395هـ
ابتسام الهاشمي